الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

454

انوار الأصول

ويمكن أن يستشهد على ذلك بفهم القدماء من المفسّرين حيث إنّهم كانوا يعاملون الخاصّ الوارد في القرآن الكريم معاملة الناسخ فيعدّونه ناسخاً للعام . كما يمكن الاستشهاد أيضاً بما رواه الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام يسألني : بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبّر فإن بعض أصحابنا قال : لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول : بحول اللَّه وقوّته أقوم وأقعد ، فكتب عليه السلام في الجواب : أنّ فيه حديثين : أمّا أحدهما فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير ، وأمّا الآخر فإنّه روي إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى ، وبأيّهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً » « 1 » حيث إنّه حكم بالتخيير بين الروايتين مع أنّ أحدهما خاصّ والآخر عام كما هو ظاهر ، لكنه عاملهما معاملة المتعارضين . ولكن الإنصاف أنّ ما ذكرنا مختصّ بالعرف العام ، وأمّا العرف الخاصّ فقد يكون على خلاف ذلك إذا علمنا أنّ سيرة المقنّن والشارع فيه جرت على بيان أحكامه وقوانينه تدريجيّاً كما أنّه كذلك في الشريعة الإسلاميّة ، فالعرف بعد ملاحظة هذه السيرة لا يحكم بالتعارض في موارد العام والخاصّ وإن كانا منفصلين ، ولذلك يحمل ما مرّ من معاملة القدماء من المفسّرين على غفلتهم عن هذه السيرة وعدم التفاتهم إلى هذه النكتة . نعم ، إنّ هذا جارٍ بالنسبة إلى الواجبات أو المحرّمات ، وأمّا في المستحبّات فللشارع سيرة أخرى ، وهي بيان سلسلة مراتب الاستحباب ودرجات المطلوبيّة ، فيحمل العام فيها على بيان درجة منها والخاصّ على بيان درجة أخرى ، ونتيجته عدم كونهما فيها من باب التخصيص ولا من باب التعارض ، حيث إنّهما يجريان في خصوص موارد إحراز وحدة المطلوب لا تعدّده كما قرّر في محلّه . ومن هنا يظهر الجواب عن الشاهد الثاني ، وهو حديث الاحتجاج فإنّ مورده من المستحبّات ، فالتخيير الوارد فيها ليس من سنخ التخيير بين المتعارضين بل من قبيل تعدّد

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 4 ، الباب 13 ، من أبواب السجود ، ح 8 .